حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
46
شاهنامه ( الشاهنامه )
أيها الملك ! إن الدودة التي استعلى بها أمر هفتواذ شيطان لا يقاومه أحد ، ولا يمكن الظفر بها إلا بالحيلة : فليفكر الملك في ذلك . فركب الملك من تلك الضيعة وتوجه نحو أردشير خُرّه ، واستصحب الرجلين . فلما وصل إليها جمع عسكره ، وأطلق أرزاقهم ، وركب وسار نحو مدينة جهرم قاصدا قصد مِهراك الغادر . فلم يقدر على الثبات بين يديه فهرب . فنزل أردشير في جهرم وأرسل وراءه الطلبة حتى ظفر به فقتله وقتل جميع من كان ينتسب اليه من أولاده وأقاربه ، ولم يهرب منهم سوى بنت له ، فإنها نجت ولم يظفر بها . قتل أردشير تلك الدودة بالحيلة ثم إنه سار من ذلك المكان في اثنى عشر ألف فارس حتى نزل على منزل من قلعة هفتواذ . وسلم العسكر إلى بعض أمرائه وأوصاه بحفظهم وبأن بيت الطائع ويفرّق الجواسيس . وقال : إني أريد أن أحتال حيلة لقتل هذه الدودة اقتداء بجدّى إسفنديار في قتل أرجاسب - على ما سبق - فإذا أخبرك الديدبان بأنه شاهد النهار من القلعة دخانا وبالليل نارا فانهض في العسكر حتى تنتهى إلى باب القلعة . ثم استحضَر دواب وأوقرها بالثياب والجواهر والذهب والفضة ، وحمل قدرا كبيرة من الحديد مع جملة من الرصاص والنحاس ، واستصحب طائفة من ثقاته وفيهم الفلاحان اللذان أضافاه . ولبسوا ملابس الصوف ، وتوجهوا نحن القلعة في زي التجار . فصعد إليها بأحماله ورجاله . وتيسر له النزول عند حرس الدودة ومستحفظيها . وقال : إني تاجر خراساني قد أتيت بجملة من القماش والذهب والفضة والجوهر لأبيع وأتباع في مدينتكم هذه على سعادة الدودة . ثم قال لهم : إني أريد أن أفتح البيع والشرى بضيافتكم . فكونوا أضيافي ثلاثة أيام . ففعل ذلك وأضافهم . وقال ولهم : دعوني أتبرك بخدمة والدودة وإطعامها . قال فأطعهم يوما وسقاهم حتى سكروا وغمرهم السكر أجمعين . فنصب قدر الحديد وأداب فيها ما كان معه من الرصاص والنحاس ، وقدّمها إلى حوض الدودة على مثل عادتهم في تقديم قدر الأرز إذا أرادوا إطعامها . ففغرت فاها فأفرغ ما في القدر في حلقها فانشق حلقومها ، وسمع منه صوت عظيم ارتج منه الجبل . وبادر إلى السكارى في أصحابه بالسيوف فقتلوهم عن آخرهم . وكان الديدبان قد شاهد ارتفاع الدخان بالنهار حين أو قد نار الضيافة فأخبر سالار عسكره فركب وسار بهم إلى القلعة . فوافق وصولهم إليها طلوع الصبح . مقتل هفتواد على يدي أردشير فلما علم هفتواذ بمجىء العسكر بادر إلى باب القلعة فرأى أردشير عليه كأسد هصور فأحس بالشر . ونزل أردشير وانضم إلى أصحابه ، وتناوشوا الحرب ساعة فأسروا هفتواذ وولده الأكبر سابور . فأمر بهما فصلبها ورشقا بالسهام . واستولى على القلعة وذخائرها ودفائنها فاصطفى البعض لنفسه وفرّق الباقي على عساكره . ثم سلم ذلك الإقليم إلى الفلاحين المذكورين ، وعاد إلى بلاد وفارس . ثم ارتحل وسار منها إلى شهر زور ومنها إلى مدينة طيسفون وقعد مقعد السلطنة .